الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
193
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتضيف الآية التالية : إن الدافع لكل تلك العراقيل التي وضعوها أمامكم هو أنهم بخلاء : أشحة عليكم ( 1 ) لا في بذل الأرواح في ساحة الحرب ، بل هم بخلاء حتى في المعونات المادية لتهيئة مستلزمات الحرب ، وفي المعونة البدنية في حفر الخندق ، بل ويبخلون حتى في المساعدة الفكرية ، بخلا يقترن بالحرص المتزايد يوميا ! وبعد تبيان بخل هؤلاء وامتناعهم عن أي نوع من المساعدة والإيثار ، تتطرق الآية إلى بيان صفات أخرى لهم ، والتي لها صفة العموم في كل المنافقين ، وفي كل العصور والقرون ، فتقول : فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت . فلأنهم لما لم يذوقوا طعم الإيمان الحقيقي ، ولم يستندوا إلى عماد قوي في الحياة ، فإنهم يفقدون السيطرة على أنفسهم تماما عندما يواجهون حادثا صعبا ومأزقا حرجا ، وكأنهم يواجهون الموت . ثم تضيف الآية : فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير فيأتون إليكم كأنهم هم الفاتحون الأصليون والمتحملون أعباء الحرب ، فيعربدون ويطلبون سهمهم من الغنائم ، وهم كانوا أبخل من الجميع في المشاركة في الحرب والثبات فيها . " سلقوكم " من مادة ( سلق ) ، وهي في الأصل بمعنى فتح الشئ بعصبية وغضب ، سواء كان هذا الفتح باليد أو اللسان ، وهذا التعبير يستعمل في شأن من يطلب الشئ بالزجر وأسلوب الأمر . و " الألسنة الحداد " تعني الألسنة الجارحة المؤذية ، وهي هنا كناية عن الخشونة في الكلام . وتشير الآية في النهاية إلى آخر صفة لهؤلاء ، والتي هي في الواقع أساس كل
--> 1 - " أشحة " جمع شحيح ، من مادة ( الشح ) ، أي البخل المقترن بالحرص ، ومحل الكلمة من الإعراب هنا برأي أكثر المفسرين ( حال ) ، لكن ذلك لا ينافي أن تكون حالا في مقام بيان العلة . تأملوا ذلك .